العلامة المجلسي

183

بحار الأنوار

رؤوسهم ينادون بأعلى أصواتهم : لا حكم إلا لله ، ثم تفرقوا فرقة بالنخيلة وأخرى بحروراء وأخرى راكبة رأسها تخبط الأرض شرقا حتى عبرت دجلة ، فلم تمر بمسلم إلا امتحنته فمن تابعها استحيته ومن خالفها قتلته ، فخرجت إلى الأوليين واحدة بعد أخرى أدعوهم إلى طاعة الله عز وجل والرجوع إليه ، فأبيا إلا السيف لا يقنعها غير ذلك ، فلما أعيت الحيلة فيهما حاكمتهما إلى الله عز وجل فقتل الله هذه وهذه ، وكانوا يا أخا اليهود لولا ما فعلوا لكانوا ركنا قويا وسدا منيعا ، فأبى الله إلا ما صاروا إليه ، ثم كتبت إلى الفرقة الثالثة ووجهت رسلي تترى ( 1 ) وكانوا من جلة أصحابي وأهل التعبد منهم والزهد في الدنيا ، فأبت إلا اتباع أختيها والاحتذاء على مثالهما ، وشرعت ( 2 ) في قتل من خالفها من المسلمين ، وتتابعت إلي الاخبار بفعلهم ، فخرجت حتى قطعت إليهم دجلة أوجه السفراء والنصحاء ، وأطلب العتبى بجهدي ( 3 ) بهذا مرة وبهذا مرة - وأومأ بيده إلى الأشتر والأحنف بن قيس وسعيد بن قيس الأرحبي والأشعث بن قيس الكندي - فلما أبوا إلا تلك ركبتها منهم ، فقتلهم الله يا أخا اليهود عن آخرهم وهم أربعة آلاف أو يزيدون حتى لم يفلت ( 4 ) منهم مخبر ، فاستخرجت ذا الثدية من قتلاهم بحضرة من ترى ، له ثدي كثدي المرأة ، ثم التفت ( عليه السلام ) إلى أصحابه فقال ، أليس كذلك ؟ قالوا : بلى يا أمير المؤمنين . فقال ( عليه السلام ) قد وفيت سبعا وسبعا يا أخا اليهود وبقيت الأخرى وأوشك بها فكان قد ( 5 ) . فبكى أصحاب علي ( عليه السلام ) وبكى رأس اليهود ، وقالوا : يا أمير المؤمنين أخبرنا بالأخرى فقال : الأخرى أن تخضب هذه - وأومأ بيده إلى لحيته - من هذه - وأومأ بيده إلى هامته - قال : وارتفعت أصوات الناس في المسجد الجامع بالضجة والبكاء حتى لم يبق بالكوفة دار إلا خرج أهلها فزعا ، وأسلم رأس اليهود على يدي علي ( عليه السلام ) من ساعته ، ولم يزل مقيما حتى

--> ( 1 ) تترى أصلها ( وترى ) ومعناها مجئ الواحد بعد الاخر نحو ( أرسلنا رسلنا تترى ) أي واحدا بعد واحد . ( 2 ) في المصدر : وأسرعت . ( 3 ) في المصدر : لجهدي . ( 4 ) في الاختصاص : لم يفلتني . ( 5 ) سيأتي معناه في البيان . وفي الاختصاص : وكان قد قربت .